أبي عبد الله الزنجاني
96
تاريخ القرآن
ونصر بن عاصم الليثي ، وبرعوا في النحو وقراءة القرآن وفنون الأدب ، غير أنّ اشتغال جماعة بالنحو لم يسد ذلك التيار الجارف من فساد اللسان بالاختلاط . فطلب زياد بن سمية - وكان واليا على البصرة - من أبى الأسود أن يضع طريقة لإصلاح الألسنة وقال له : إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسنة العرب ، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعربون به كتاب اللّه ، فأبى أبو الأسود أولا لبعض أسباب كان يراها ، فأمر زياد رجلا أن يقعد في طريق أبى الأسود ، فلما قاربه رفع صوته بالقراءة كأنه لا يقصد إسماع أبى الأسود وقرأ : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بكسر اللام ، فأعظم ذلك أبو الأسود وقال : عز وجه اللّه أن يبرأ من رسوله ، ثم رجع من حينه إلى زياد وقال له : قد أجبتك إلى ما سألت ، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن فابعث لي كاتبا ، فبعث زياد إليه ثلاثين كاتبا ، فاختار منهم واحدا من عبد القيس وقال له : خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد ، فإذا رأيتني فتحت شفتى بالحرف فانقط واحدة فوقه ، وإذا كسرتهما فانقط واحدة أسفله ، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة بين الحرف ، فإن تبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين ، وأخذ يقرأ القرآن بالتأنى والكاتب يضع النقط ، وكلما أتم الكاتب صحيفة أعاد أبو الأسود نظره عليها ، واستمرّ على ذلك حتى أعرب المصحف كله ، وجرى الناس على طريقته ، وكانوا إذا رأوا حرفا بعد التنوين من أحرف الحلق وضعوا إحدى النقطتين فوق الأخرى علامة على أن النون مظهرة وإلا وضعوها بجانب الأخرى علامة على أن النون مدغمة أو خفية ، ثم اخترع أهل المدينة للحرف المشدد علامة على شكل قوس طرفاه للأعلى هكذا ( ب ) ، ثم زاد أتباع أبى الأسود علامات أخرى في الشكل فوضعوا للسكون جرة أفقية فوق الحرف منفصلة عنه سواء كان همزة أم غير همزة ، ولألف الوصل جرة في أعلاها متصلة به إن كان قبلها فتحة ، وفي أسفلها إن كان قبلها كسرة ، وفي وسطها إن كان قبلها ضمة هكذا : ( ؟ ؟ ؟ )